محمد بن زكريا الرازي
73
المنصوري في الطب
مع الغذاء إلى الأعضاء حدثت « 110 » صنوف الأمراض الكائنة عن المرار الأصفر كاليرقان والبثور والحمرة والنملة والحميات الحادة ونحوها . وإن لم يجتذب الطحال المرة السوداء حدثت الأمراض السوداوية كاليرقان الأسود والبهق الأسود والقوابي والتقشر والجذام والماليخوليا ونحوها . وإن لم تندفع المائية نحو الكلى حدث أحد الاستسقائين إما الزقي وإما اللحمي . ولولا مكان هذه الآلات لكانت هذه دائمة متصلة . ومن عجيب الحكمة أيضا في اجتذاب هذه الفضلات أن عنق المرارة والطحال يجيئان إلى تقعير الكبد ويجذبان ما يجذبان من هناك . وأما عنقا الكليتين فيجيئان إلى العرق الطالع من حدبة الكبد ويجذبان المائية منه ، وذلك من أجل أن الدم يحتاج إلى أن يرتقي إلى هذا الموضع من منافذ دقاق في دقة الشعر . فوجب أن تترك فيه هذه المائية لتبقى له رقته المعينة له على سرعة ارتفاعه ونفوذه في هذه المنافذ . فلم يوصل لذلك الآلة الجاذبة لهذه المائية هناك لكن بعد أن ارتقى الدم ونفذ من هذه المجاري الدقاق . ووصل إلى مجرى واسع استغنى عن رقّته واحتيج إلى غلظه ومتانته فوصل به هناك . وإذا ارتقى الدم النقي إلى هذا العرق توزع بعده في البدن على القسط والعدل وسقى كل عضو وأعطاه نصيبه على ما ذكرنا في تقسيم العروق . واستحال في كل عضو إلى طبيعته وغذّاه وأنماه إن كان مما ينمي وإلا أخلف عليه مثل ما تحلل منه أو أقل مما تحلل منه وذاك في الأبدان المنحطة . وهذا الفعل كان آخر القصد والغرض الذي أريد بآلات الغذاء كلها ثم صرف الخالق عز وجل هذه الفضلات التي نقّى منها الدم إلى منافع أخر جليلة أيضا . وذلك أن المرارة تنقى بأحد عنقيها الدم من المرة الصفراء ويقذفه بعنق آخر في الأمعاء فيحث بحدته الأمعاء على دفع الأثفال وإخراجها بما يلذعها ويهيجها فيكون سببا للنقاء من الثفل والأمن من تعقده واحتباسه . وأما الطحال فيجذب الفضلة العكرة وينقي الدم منها ويحيلها هو من بعد حتى يكتسب قبضا وحموضة ثم يرسل منها في كل يوم شيئا إلى فم المعدة فيحرك الشهوة
--> ( 110 ) في ( يح ) و ( أوق ) : فقد جلبت صنوف الأمراض .